مجمع البحوث الاسلامية
552
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
حتّى لا ينجرّ إلى أن تجذب هذه إلى جانب ، وتلك إلى جانب ، فيتشوّش أمر النّظام الإنسانيّ إلّا أن لا يرتضي واحد أو جماعة التّربية الإسلاميّة لنفسه أو لأنفسهم ، فيكونون أحرارا فيما يرتضونه لأنفسهم من تربية دينهم الخاصّة ، على شرط أن يكونوا على شيء من دين التّوحيد ، وهو اليهوديّة أو النّصرانيّة أو المجوسيّة ، وأن لا يتظاهروا بالمزاحمة ، وهذا غاية العدل والنّصفة من دين الحقّ الظّاهر على غيره . وأمّا ( الجزية ) فهي عطيّة ماليّة مأخوذة منهم ، مصروفة في حفظ ذمّتهم وحسن إدارتهم ، ولا غنى عن مثلها لحكومة قائمة على ساقها ، حقّة أو باطلة . ومن هذا البيان يظهر أنّ المراد بهذه المحرّمات : المحرّمات الإسلاميّة الّتي عزم اللّه أن لا تشيع في المجتمع الإسلاميّ العالميّ ، كما أنّ المراد ب ( دين الحقّ ) هو الّذي يعزم أن يكون هو المتّبع في المجتمع . ولازم ذلك أن يكون المراد بالمحرّمات : المحرّمات الّتي حرّمها اللّه ورسوله محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم الصّادع بالدّعوة الإسلاميّة ، وأن يكون الأوصاف الثّلاثة : الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ الآية ، في معنى التّعليل تفيد حكمة الأمر بقتال أهل الكتاب . وبذلك كلّه يظهر فساد ما أورد على هذا الوجه ، أنّه لا يعقل أن يحرّم أهل الكتاب على أنفسهم ما حرّم اللّه ورسوله علينا إلّا إذا أسلموا ، وإنّما الكلام في أهل الكتاب لا في المسلمين العاصين . وجه الفساد أنّه ليس من الواجب أن يكون الغرض من قتالهم أن يحرّموا ما حرّم الإسلام وهم أهل الكتاب ، بل أن لا يظهر في النّاس التّبرّز بالمحرّمات من غير مانع يمنع شيوعها ، والاسترسال فيها ، كشرب الخمر ، وأكل لحم الخنزير ، وأكل المال بالباطل على سبيل العلن ، بل يقاتلون ليدخلوا في الذّمّة ، فلا يتظاهروا بالفساد ويحتبس الشّرّ فيما بينهم أنفسهم . ولعلّه إلى ذلك الإشارة بقوله : وَهُمْ صاغِرُونَ . [ إلى أن قال : ] والاعتبار بما ذكر في صدر الآية من أوصافهم المقتضية لقتالهم ، ثمّ إعطاؤهم الجزية لحفظ ذمّتهم ، يفيد أن يكون المراد بصغارهم : خضوعهم للسّنّة الإسلاميّة ، والحكومة الدّينيّة العادلة في المجتمع الإسلاميّ ، فلا يكافؤوا المسلمين ولا يبارزوهم بشخصيّة مستقلّة حرّة ، في بثّ ما تهواه أنفسهم ، وإشاعة ما اختلقته هوساتهم ، من العقائد والأعمال المفسدة للمجتمع الإنسانيّ ، مع ما في إعطاء المال بأيديهم من الهوان . فظاهر الآية : أنّ هذا هو المراد من « صغارهم » لا إهانتهم والسّخريّة بهم من جانب المسلمين ، أو أولياء الحكومة الدّينيّة ، فإنّ هذا ممّا لا يحتمله السّكينة والوقار الإسلاميّ وإن ذكر بعض المفسّرين . واليد : الجارحة من الإنسان وتطلق على القدرة والنّعمة . فإن كان المراد به في قوله : حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ هو المعنى الأوّل ، فالمعنى حتّى يعطوا الجزية متجاوزة عن يدهم إلى يدكم . وإن كان المراد هو المعنى الثّاني ، فالمعنى حتّى يعطوا الجزية عن قدرة وسلطة لكم عليهم ( وهم صاغرون ) غير مستعلين عليكم ولا مستكبرين .